فصل: تفسير الآيات رقم (1- 16)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 45‏]‏

‏{‏وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ‏}‏‏.‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَمِعْ‏}‏ يا محمد ‏{‏يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ‏}‏ قال قتادة‏:‏ قال كعب الأحبار‏:‏ يأمر الله ‏[‏تعالى‏]‏ ملكا أن ينادي على صخرة بيت المقدس‏:‏ أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء‏.‏

‏{‏يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ‏}‏ يعني‏:‏ النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ‏}‏ أي‏:‏ من الأجداث‏.‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ‏}‏ أي‏:‏ هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا‏}‏‏:‏ وذلك أن الله تعالى ينزل مطرًا من السماء تنبت به أجساد الخلائق في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله إسرافيل فينفخ في الصور، وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور، فإذا نفخ إسرافيل فيه خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الله، عز وجل‏:‏ وعزتي وجلالي، لترجعن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فترجع كل روح إلى جسدها، فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ وتنشق الأرض عنهم، فيقومون إلى موقف الحساب سراعا، مبادرين إلى أمر الله، عز وجل، ‏{‏مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 8‏]‏، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 52‏]‏، وفي صحيح مسلم عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنا أول من تنشق عنه الأرض‏"‏‏.‏وقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 50‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 28‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ‏}‏ أي‏:‏ نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهيدنك ذلك، كقوله ‏[‏تعالى‏]‏‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ‏.‏ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 97- 99‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ‏}‏ أي‏:‏ ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك ما كلفت به‏.‏

وقال مجاهد، وقتادة، والضحاك‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ‏}‏ أي‏:‏ لا تتجبر عليهم‏.‏

والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال‏:‏ ولا تكن جبارًا عليهم، وإنما قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ‏}‏ بمعنى‏:‏ وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ‏.‏

قال الفراء‏:‏ سمعت العرب تقول‏:‏ جبر فلان فلانا على كذا ، بمعنى أجبره‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ‏}‏ أي‏:‏ بلغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله ‏[‏تعالى‏]‏‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 40‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ‏}‏ ‏[‏الغاشية‏:‏ 21، 22‏]‏، ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 272‏]‏، ‏{‏إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏، ولهذا قال هاهنا‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ‏}‏ كان قتادة يقول‏:‏ اللهم، اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك، يا بار، يا رحيم‏.‏

ق- آخر تفسير سورة‏(‏ق‏)‏‏}‏، والحمد لله وحده، وحسبنا الله ونعم الوكيل‏.‏

تفسير سورة الذاريات

وهي مكية‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 14‏]‏

‏{‏وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ‏}‏‏.‏

قال شعبة بن الحجاج، عن سِمَاك، عن خالد بن عَرْعَرَة أنه سمع عليا وشعبة أيضًا، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن أبي الطُّفَيْل، سمع عليًا‏.‏ وثبت أيضًا من غير وجه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب‏:‏ أنه صعد منبر الكوفة فقال‏:‏ لا تسألوني عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة عن رسول الله، إلا أنبأتكم بذلك‏.‏ فقام إليه ابن الكواء فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ الريح ‏[‏قال‏]‏ ‏:‏ ‏{‏فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ السحاب‏.‏ ‏[‏قال‏]‏ ‏:‏ ‏{‏فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ السفن‏.‏ ‏[‏قال‏]‏ ‏:‏ ‏{‏فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ الملائكة‏.‏

وقد روي في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار‏:‏ حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سَبْرَة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ جاء صَبِيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ‏{‏الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا‏}‏‏؟‏ فقال‏:‏ هي الرياح، ولولا أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته‏.‏ قال‏:‏ فأخبرني عن ‏{‏الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا‏}‏ قال‏:‏ هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته‏.‏ قال‏:‏ فأخبرني عن ‏{‏الْجَارِيَاتِ يُسْرًا‏}‏ قال‏:‏ هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته‏.‏ ثم أمر به فضرب مائة، وجعل في بيت، فلما برأ ‏[‏دعا به و‏]‏ ضربه مائة أخرى، وحمله على قَتَب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري‏:‏ امنع الناس من مجالسته‏.‏ فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف بالأيمان الغليظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا‏.‏ فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر‏:‏ ما إخاله إلا صدق، فخل بينه وبين مجالسة الناس‏.‏

قال أبو بكر البزار‏:‏ فأبو بكر بن أبي سبرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث‏.‏

قلت‏:‏ فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، فإن قصة صَبِيغ بن عسل مشهورة مع عمر، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا وعنادا، والله أعلم‏.‏

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة‏.‏ وهكذا فسرها ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد‏.‏ ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن المراد بالذاريات‏:‏ الريح كما تقدم وبالحاملات وقرًا‏:‏ السحاب كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل‏:‏

وَأسْلَمْتُ نَفْسي لمَنْ أسْلَمَتْ *** لَهُ المزْنُ تَحْمِلُ عَذْبا زُلالا

فأما الجاريات يسرًا، فالمشهور عن الجمهور- كما تقدم- ‏:‏ أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جريا سهلا‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هي النجوم تجري يسرا في أفلاكها، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والمقسمات أمرا الملائكة فوق ذلك، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية‏.‏ وهذا قسم من الله عز جل على وقوع المعاد؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ‏}‏ أي‏:‏ لخبر صدق، ‏{‏وَإِنَّ الدِّينَ‏}‏، وهو‏:‏ الحساب ‏{‏لواقع‏}‏ أي‏:‏ لكائن لا محالة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ذات البهاء والجمال والحسن والاستواء‏.‏ وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَيْر، وأبو مالك، وأبو صالح، والسدي، وقتادة، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، وغيرهم‏.‏

وقال الضحاك، والمِنْهَال بن عمرو، وغيرهما‏:‏ مثل تجعد الماء والرمل والزرع إذا ضربته الريح، فينسج بعضه بعضا طرائق ‏[‏طرائق‏]‏، فذلك الحبك‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال‏:‏ ‏"‏إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه حُبُك حُبُك‏"‏ يعني بالحبك‏:‏ الجعودة‏.‏

وعن أبي صالح‏:‏ ‏{‏ذَاتِ الْحُبُكِ‏}‏‏:‏ الشدة‏.‏ وقال خصيف‏:‏ ‏{‏ذَاتِ الْحُبُكِ‏}‏‏:‏ ذات الصفافة‏.‏وقال الحسن بن أبي الحسن البصري‏:‏ ‏{‏ذَاتِ الْحُبُكِ‏}‏‏:‏ حبكت بالنجوم‏.‏

وقال قتادة‏:‏ عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن عبد الله بن عمرو‏:‏ ‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ‏}‏‏:‏ يعني‏:‏ السماء السابعة‏.‏

وكأنه- والله أعلم- أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم‏.‏ وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ‏}‏ أي‏:‏ إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع‏.‏

وقال قتادة‏:‏ إنكم لفي قول مختلف، ‏[‏يعني‏]‏ ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به‏.‏

‏{‏يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ‏}‏ أي‏:‏ إنما يروج على من هو ضال في نفسه؛ لأنه قول باطل إنما ينقاد له ويضل بسببه ويؤفك عنه من هو مأفوك ضال غَمْر، لا فهم له، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 161- 163‏]‏‏.‏

قال ابن عباس، والسدي‏:‏ ‏{‏يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ‏}‏‏:‏ يضل عنه من ضل‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ‏}‏ يؤفن عنه من أفن‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ يصرف عن هذا القرآن من كذب به‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ‏}‏ قال مجاهد‏:‏ الكذابون‏.‏ قال‏:‏ وهي مثل التي في عبس‏:‏ ‏{‏قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 17‏]‏، والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ‏}‏ أي‏:‏ لعن المرتابون‏.‏

وهكذا كان معاذ، رضي الله عنه، يقول في خطبه‏:‏ هلك المرتابون‏.‏ وقال قتادة‏:‏ الخراصون أهل الغرة والظنون‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ‏}‏‏:‏ قال ابن عباس وغير واحد‏:‏ في الكفر والشك غافلون لاهون‏.‏

‏{‏يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ‏}‏‏:‏ وإنما يقولون هذا تكذيبا وعنادا وشكا واستبعادا‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ‏}‏‏.‏

قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد‏:‏ ‏{‏يفتنون‏}‏‏:‏ يعذبون ‏[‏قال مجاهد‏]‏‏:‏ كما يفتن الذهب على النار‏.‏

وقال جماعة آخرون كمجاهد أيضا، وعكرمة، وإبراهيم النَّخَعِي، وزيد بن أسلم، وسفيان الثوري‏:‏ ‏{‏يفتنون‏}‏‏:‏ يحرقون‏.‏

‏{‏ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ‏}‏‏:‏ قال مجاهد‏:‏ حريقكم‏.‏ وقال غيره‏:‏ عذابكم‏.‏ ‏{‏هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 23‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ‏}‏‏.‏

يقول تعالى مخبرا عن المتقين لله، عز وجل‏:‏ إنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون، بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال، والحريق والأغلال‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ‏}‏‏:‏ قال ابن جرير‏:‏ أي عاملين بما آتاهم الله من الفرائض‏.‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ قبل أن يفرض عليهم الفرائض‏.‏ كانوا محسنين في الأعمال أيضا‏.‏ ثم روى عن ابن حميد، حدثنا مهْرَان، عن سفيان، عن أبي عمر، عن مسلم البطين، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ‏}‏ قال‏:‏ من الفرائض، ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ‏}‏‏:‏ قبل الفرائض يعملون‏.‏ وهذا الإسناد ضعيف، ولا يصح عن ابن عباس‏.‏ وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي عمر البزار، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره‏.‏ والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله‏:‏ ‏{‏آَخِذِينَ‏}‏ حال من قوله‏:‏ ‏{‏فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ‏}‏‏:‏ فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذون ما آتاهم ربهم، أي‏:‏ من النعيم والسرور والغبطة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ في الدار الدنيا ‏{‏محسنين‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 24‏]‏ ثم إنه تعالى بَيَّن إحسانهم في العمل فقال‏:‏ ‏{‏كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ‏}‏، اختلف المفسرون في ذلك على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن ‏"‏ما‏"‏ نافية، تقديره‏:‏ كانوا قليلا من الليل لا يهجعونه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لم تكنتمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا‏.‏ وقال قتادة، عن مطرف بن عبد الله‏:‏ قلَّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله، عز وجل، إما من أولها وإما من أوسطها‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ قلَّ ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون‏.‏ وكذا قال قتادة‏.‏ وقال أنس بن مالك، وأبو العالية‏:‏ كانوا يصلون بين المغرب والعشاء‏.‏ وقال أبو جعفر الباقر، كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن ‏"‏ما‏"‏ مصدرية، تقديره‏:‏ كانوا قليلا من الليل هجوعهم ونومهم‏.‏ واختاره ابن جرير‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ ‏{‏كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ‏}‏‏:‏ كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر‏.‏ وقال قتادة‏:‏ قال الأحنف بن قيس‏:‏ ‏{‏كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ‏}‏‏:‏ كانوا لا ينامون إلا قليلا ثم يقول‏:‏ لست من أهل هذه الآية‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ كان الأحنف بن قيس يقول‏:‏ عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بونًا بعيدا، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون‏.‏ وعرضت عملي على عمل أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم يكذبون بكتاب الله وبرسل الله، يكذبون بالبعث بعد الموت، فوجدت من خيرنا منزلة قومًا خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا‏.‏

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ قال رجل من بني تميم لأبي‏:‏ يا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا، ذكر الله قوما فقال‏:‏ ‏{‏كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ‏}‏، ونحن والله قليلا من الليل ما نقوم‏.‏ فقال له أبي‏:‏ طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى الله إذا استيقظ‏.‏

وقال عبد الله بن سلام‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل‏.‏ فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رَجُل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول‏:‏ ‏"‏يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام‏"‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلى، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها‏"‏‏.‏ فقال أبو موسى الأشعري‏:‏ لمن هي يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائما، والناس نيام‏"‏‏.‏

وقال مَعْمَر في قوله‏:‏ ‏{‏كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ‏}‏‏:‏ كان الزهري والحسن يقولان‏:‏

كانوا كثيرا من الليل ما يصلون‏.‏

وقال ابن عباس، وإبراهيم النَّخَعِي‏:‏ ‏{‏كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ‏}‏‏:‏ ما ينامون‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلا‏}‏ ثم ابتدأ فقال‏:‏ ‏{‏مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏}‏‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏}‏‏.‏ قال مجاهد، وغير واحد‏:‏ يصلون‏.‏ وقال آخرون‏:‏ قاموا الليل، وأخروا الاستغفار إلى الأسحار‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 17‏]‏، فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن‏.‏ وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول‏:‏ هل من تائب فأتوب عليه‏؟‏ هل من مستغفر فأغفر له‏؟‏ هل من سائل فيعطى سؤله‏؟‏ حتى يطلع الفجر‏"‏‏.‏

وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارا عن يعقوب‏:‏ أنه قال لبنيه‏:‏ ‏{‏سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي‏}‏ ‏[‏يوسف 98‏]‏ قالوا‏:‏ أخرهم إلى وقت السحر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ‏}‏‏:‏ لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال‏:‏ ‏{‏وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ‏}‏ أي‏:‏ جزء مقسوم قد أفرزوه ‏{‏لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ‏}‏، أما السائل فمعروف، وهو الذي يبتدئ بالسؤال، وله حق، كما قال الإمام أحمد‏:‏

حدثنا وَكِيع وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏للسائل حق وإن جاء على فرس‏"‏‏.‏

ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري، به ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب ‏.‏ وروي من حديث الهِرْماس بن زياد مرفوعا‏.‏

وأما ‏{‏المحروم‏}‏، فقال ابن عباس، ومجاهد‏:‏ هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم‏.‏ يعني‏:‏ لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له، ولا حرفة يتقوت منها‏.‏

وقالت أم المؤمنين عائشة‏:‏ هو المحارَف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله له ذلك‏.‏وقال أبو قِلابَة‏:‏ جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة‏:‏ هذا المحروم‏.‏

وقال ابن عباس أيضا، وسعيد بن المسيَّب، وإبراهيم النخعي، ونافع- مولى ابن عمر- وعطاء بن أبي رباح ‏{‏المحروم‏}‏‏:‏ المحارف‏.‏

وقال قتادة، والزهري‏:‏ ‏{‏الْمَحْرُوم‏}‏‏:‏ الذي لا يسأل الناس شيئا، قال الزهري وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ليس المسكين بالطوَّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه‏"‏‏.‏

وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر‏.‏

وقال سعيد بن جبير‏:‏ هو الذي يجيء وقد قُسِّم المغنم، فيرضخ له‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ حدثني بعض أصحابنا قال‏:‏ كنا مع عمر بن عبد العزيز في طريق مكة فجاء كلب فانتزع عمر كتف شاة فرمى بها إليه، وقال‏:‏ يقولون‏:‏ إنه المحروم‏.‏

وقال الشعبي‏:‏ أعياني أن أعلم ما المحروم‏.‏

واختار ابن جرير أن المحروم‏:‏ ‏[‏هو‏]‏ الذي لا مال له بأي سبب كان، قد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب، أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها‏.‏

وقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا، فجاء قوم لم يشهدوا الغنيمة فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ‏}‏‏.‏

وهذا يقتضي أن هذه مدنية، وليس كذلك، بل هي مكية شاملة لما بعدها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد والجبال، والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات، والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ‏}‏‏:‏ قال قتادة‏:‏ من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ المطر، ‏{‏وَمَا تُوعَدُونَ‏}‏ يعني‏:‏ الجنة‏.‏ قاله ابن عباس، ومجاهد وغير واحد‏.‏

وقال سفيان الثوري‏:‏ قرأ واصل الأحدب هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ‏}‏ فقال‏:‏ ألا إني أرى رزقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض‏؟‏ فدخل خربة فمكث ‏[‏فيها‏]‏ ثلاثا لا يصيب شيئا، فلما أن كان في اليوم الثالث إذا هو بِدَوْخَلَة من رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الموت بينهما‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ‏}‏ يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء، كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون‏.‏ وكان معاذ، رضي الله عنه، إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه‏:‏ إن هذا لحق كما أنك هاهنا‏.‏

قال مسدد، عن ابن أبي عَدِيّ، عن عَوْف، عن الحسن البصري قال‏:‏ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏قاتل الله أقوامًا أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا‏"‏‏.‏

ورواه ابن جرير، عن بُنْدَار، عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، فذكره مرسلا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 30‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ‏}‏‏.‏

هذه القصة قد تقدمت في سورة ‏"‏هود‏"‏ و‏"‏الحجر‏"‏ أيضا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذين أرصد لهم الكرامة‏.‏ وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ‏}‏‏:‏ الرفع أقوى وأثبت من النصب، فرده أفضل من التسليم؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 86‏]‏، فالخليل اختار الأفضل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَوْمٌ مُنْكَرُونَ‏}‏‏:‏ وذلك أن الملائكة وهم‏:‏ جبريل وإسرافيل وميكائيل قدموا عليه في صور شبان حسان عليهم مهابة عظيمة؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قَوْمٌ مُنْكَرُونَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ‏}‏ أي‏:‏ انسل خفية في سرعة، ‏{‏فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ‏}‏ أي‏:‏ من خيار ماله‏.‏ وفي الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 69‏]‏ أي‏:‏ مشوي على الرَّضف، ‏{‏فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ‏}‏ أي‏:‏ أدناه منهم، ‏{‏قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ‏}‏‏:‏ تلطف في العبارة وعرض حسن‏.‏

وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة؛ فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال‏:‏ ‏"‏نأتيكم بطعام‏؟‏‏"‏ بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم، لم يضعه، وقال‏:‏ اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال‏:‏ ‏{‏أَلا تَأْكُلُونَ‏}‏ على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم‏:‏ إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق، فافعل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً‏}‏‏:‏ هذا محال على ما تقدم في القصة في السورة الأخرى، وهو قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 70، 71‏]‏ أي‏:‏ استبشرت بهلاكهم؛ لتمردهم وعتوهم على الله، فعند ذلك بشرتها الملائكة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب‏.‏ ‏{‏قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ‏}‏ ‏[‏هود 72، 73‏]‏؛ ولهذا قال هاهنا‏:‏ ‏{‏وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ‏}‏، فالبشارة له هي بشارة لها؛ لأن الولد منهما، فكل منهما بشر به‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ في صرخة عظيمة ورنة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم والثوري والسدي وهي قولها‏:‏ ‏{‏يَا وَيْلَتَا‏}‏ ‏{‏فَصَكَّتْ وَجْهَهَا‏}‏ أي‏:‏ ضربت بيدها على جبينها، قاله مجاهد وابن سابط‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ لطمت، أي تعجبا كما تتعجب النساء من الأمر الغريب، ‏{‏وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ كيف ألد وأنا عجوز ‏[‏عقيم‏]‏، وقد كنتُ في حال الصبا عقيما لا أحبل‏؟‏‏.‏

‏{‏قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ‏}‏ أي‏:‏ عليم بما تستحقون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 37‏]‏

‏{‏قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ‏}‏‏.‏

قال الله مخبرا عن إبراهيم، عليه السلام‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 74- 76‏]‏‏.‏

وقال هاهنا‏:‏ ‏{‏قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما شأنكم وفيم جئتم‏؟‏‏.‏

‏{‏قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ‏}‏ يعنون قوم لوط‏.‏

‏{‏لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً‏}‏ أي‏:‏ معلمة ‏{‏عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ‏}‏ أي‏:‏ مكتتبة عنده بأسمائهم، كل حجر عليه اسم صاحبه، فقال في سورة العنكبوت‏:‏ ‏{‏قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 32‏]‏‏.‏وقال هاهنا‏:‏ ‏{‏فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏، وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته‏.‏

‏{‏فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏}‏ احتج بهذه ‏[‏الآية‏]‏ من ذهب إلى رأي المعتزلة، ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام؛ لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين‏.‏ وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم لا ينعكس، فاتفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ‏}‏ أي‏:‏ جعلناها عبرة، لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة للمؤمنين، ‏{‏لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 46‏]‏

‏{‏وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏‏.‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَفِي مُوسَى‏}‏ ‏[‏آية‏]‏ ‏{‏إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ بدليل باهر وحجة قاطعة، ‏{‏فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ‏}‏ أي‏:‏ فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين، استكباراوعنادا‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ تعزز بأصحابه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ غلب عدُو الله على قومه‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ ‏{‏فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ‏}‏ أي‏:‏ بجموعه التي معه، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 80‏]‏‏.‏

والمعنى الأول قوي كقوله‏:‏ ‏{‏ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 9‏]‏ أي‏:‏ معرض عن الحق مستكبر، ‏{‏وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ‏}‏ أي‏:‏ لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرا، أو مجنونا‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ‏}‏ أي‏:‏ ألقيناهم في اليم، وهو البحر، ‏{‏وَهُوَ مُلِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ وهو ملوم كافر جاحد فاجر معاند‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏}‏ أي‏:‏ المفسدة التي لا تنتج شيئا‏.‏ قاله الضحاك، وقتادة، وغيرهما‏.‏

ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ مما تفسده الريح ‏{‏إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ‏}‏ أي‏:‏ كالشيء الهالك البالي‏.‏

وقد قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبو عبيد الله بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، حدثني عبد الله- يعني‏:‏ ابن عياش - القتباني، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصَّدَفِي، عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الريح مسخرة من الثانية- يعني من الأرض الثانية- فلما أراد الله أن يهلك عادًا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا، قال‏:‏ أي رَبَ، أرسل عليهم ‏[‏من‏]‏ الريح قدر منخر الثور‏؟‏ قال له الجبار‏:‏ لا إذًا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل ‏[‏عليهم‏]‏ بقدر خاتم‏.‏ فهي التي يقول الله في كتابه‏:‏ ‏{‏مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ‏}‏‏.‏

هذا الحديث رفعه منكر ، والأقرب أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو، من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم‏.‏

قال سعيد بن المسيب وغيره في قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏}‏ قالوا‏:‏ هي الجنوب‏.‏ وقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدبور‏"‏‏.‏

‏{‏وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ يعني إلى وقت فناء آجالكم‏.‏

والظاهر أن هذه كقوله‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وهكذا قال هاهنا‏:‏ ‏{‏وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ‏}‏، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بُكْرَة النهار ‏{‏فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ‏}‏ أي‏:‏ من هَرَبٍ ولا نهوض، ‏{‏وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ ولا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏ وكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة، من سور متعددة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 51‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ‏}‏‏.‏

يقول تعالى منبها على خلق العالم العلوي والسفلي‏:‏ ‏{‏وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا‏}‏ أي‏:‏ جعلناها سقفا ‏[‏محفوظا‏]‏ رفيعا ‏{‏بأيد‏}‏ أي‏:‏ بقوة‏.‏ قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والثوري، وغير واحد، ‏{‏وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ‏}‏، أي‏:‏ قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد، حتى استقلت كما هي‏.‏

‏{‏وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا‏}‏ أي‏:‏ جعلناها فراشًا للمخلوقات، ‏{‏فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ‏}‏ أي‏:‏ وجعلناها مهدا لأهلها‏.‏

‏{‏وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ جميع المخلوقات أزواج‏:‏ سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات ‏[‏جن وإنس، ذكور وإناث‏]‏ والنباتات، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لتعلموا أن الخالق واحدٌ لا شريك له‏.‏

‏{‏فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ الجئوا إليه، واعتمدوا في أموركم عليه، ‏{‏إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ‏}‏‏.‏

‏{‏وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ‏}‏ أي‏:‏ ‏[‏و‏]‏ لا تشركوا به شيئا، ‏{‏إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 60‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ‏}‏‏.‏

يقول تعالى مسليا نبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ وكما قال لك هؤلاء المشركون، قال المكذبون الأولون لرسلهم‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ‏}‏ ‏!‏‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَتَوَاصَوْا بِهِ‏}‏ أي‏:‏ أوصى بعضُهم بعضا بهذه المقالة‏؟‏ ‏"‏ ‏{‏بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ‏}‏ أي‏:‏ لكن هم قوم طغاة، تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَوَلَّ عَنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ فأعرض عنهم يا محمد، ‏{‏فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ‏}‏ يعني‏:‏ فما نلومك على ذلك‏.‏

‏{‏وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ‏}‏ أي‏:‏ إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏إِلا لِيَعْبُدُونِ‏}‏ أي‏:‏ إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها وهذا اختيار ابن جرير‏.‏

وقال ابن جُرَيْج‏:‏ إلا ليعرفون‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏:‏ ‏{‏إِلا لِيَعْبُدُونِ‏}‏ أي‏:‏ إلا للعبادة‏.‏ وقال السدي‏:‏ من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع، ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]‏ هذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع الشرك‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ المراد بذلك المؤمنون‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ‏.‏ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏}‏ قال الإمام أحمد‏:‏

حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين‏"‏‏.‏

ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث إسرائيل، وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏.‏

ومعنى الآية‏:‏ أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عمران- يعني ابن زائدة بن نَشِيط- عن أبيه، عن أبي خالد- هو الوالبي- عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ قال الله‏:‏ ‏"‏يا ابنآدم، تَفَرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غِنًى، وأسدّ فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك‏"‏‏.‏

ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عمران بن زائدة، وقال الترمذي‏:‏ حسن غريب‏.‏

وقد روى الإمام أحمد عن وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، عن سلام أبي شُرحْبِيل، سمعت حَبَّة وسواء ابني خالد يقولان‏:‏ أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعمل عملا أو يبني بناء- وقال أبو معاوية‏:‏ يصلح شيئا- فأعناه عليه، فلما فرغ دعا لنا وقال‏:‏ ‏"‏لا تيأسا من الرزق ما تهززت رءوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يعطيه الله ويرزقه‏"‏ ‏.‏ و‏[‏قد ورد‏]‏ في بعض الكتب الإلهية‏:‏ ‏"‏يقول الله تعالى‏:‏ ابن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني؛ فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا‏}‏ أي‏:‏ نصيبا من العذاب، ‏{‏مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ‏}‏ أي‏:‏ فلا يستعجلون ذلك، فإنه واقع ‏[‏بهم‏]‏ لا محالة‏.‏

‏{‏فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يوم القيامة‏.‏

آخر تفسير سورة الذاريات

تفسير سورة الطور

وهي مكية‏.‏

قال مالك، عن الزهري، عن محمد بن جُبَير بن مطعم، عن أبيه‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا- أو قراءة- منه‏.‏

أخرجاه من طريق مالك وقال البخاري‏:‏

حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفَل، عن عُرْوَةَ، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت‏:‏ شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال‏:‏ ‏"‏طُوفي من وراء الناس وأنت راكبة‏"‏، فطفت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 16‏]‏

‏{‏وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة‏:‏ أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم‏.‏ فالطور هو‏:‏ الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا، إنما يقال له‏:‏ جبل‏.‏

‏{‏وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ‏}‏ قيل‏:‏ هو اللوح المحفوظ‏.‏ وقيل‏:‏ الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ‏}‏‏.‏ ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء- بعد مجاوزته إلى السماء السابعة- ‏:‏ ‏"‏ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم‏"‏ يعني‏:‏ يتعبدون فيه ويطوفون، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم كذلك ذاك البيت، هو كعبة أهل السماء السابعة؛ ولهذا وجد إبراهيم الخليل، عليه السلام، مسندا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له‏:‏ بيت العزة‏.‏ والله أعلم‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏في السماء السابعة بيت يقال له‏:‏ ‏"‏المعمور‏"‏؛ بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له‏:‏ ‏"‏الحيوان‏"‏ يدخله جبريل كل يوم، فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون، ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدا، ويولي عليهم أحدهم، يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة‏"‏‏.‏

هذا حديث غريب جدا، تفرد به روح بن جناح هذا، وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي، وقد أنكر هذا الحديث عليه جماعة من الحفاظ منهم‏:‏ الجوزجاني، والعقيلي، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وغيرهم‏.‏

قال الحاكم‏:‏ لا أصل له من حديث أبي هريرة، ولا سعيد، ولا الزهري‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا هَنَّاد بن السُّريّ، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة؛ أن رجلا قال لعلي‏:‏ ما البيت المعمور‏؟‏ قال‏:‏ بيت في السماء يقال له‏:‏ ‏"‏الضُّراح‏"‏ وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، لا يعودون فيه أبدا‏.‏

وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري، عن سِمَاك وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك، ثم رواه ابن جرير عن أبي كُرَيب، عن طَلْق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن علي بن ربيعة قال‏:‏ سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور، قال‏:‏ مسجد في السماء يقال له‏:‏ ‏"‏الضُّراح‏"‏، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدا‏.‏ ورواه من حديث أبي الطُّفَيْل، عن علي بمثله‏.‏

وقال العَوْفي عن ابن عباس‏:‏ هو بيت حذاء العرش، تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، وغير واحد من السلف‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه‏:‏ ‏"‏هل تدرون ما البيت المعمور‏؟‏‏"‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة، لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم‏"‏‏.‏

وزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم‏:‏ الحِن ، من قبيلة إبليس، فالله أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ‏}‏‏:‏ قال سفيان الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، عن سِمَاك، عن خالد بن عَرْعَرَة، عن علي‏:‏ ‏{‏وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ‏}‏ يعني‏:‏ السماء، قال سفيان‏:‏ ثم تلا ‏{‏وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 32‏]‏‏.‏ وكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن جُرَيْج، وابن زيد، واختاره ابن جرير‏.‏

وقال الربيع بن أنس‏:‏ هو العرش يعني‏:‏ أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه، وهو يُراد مع غيره كما قاله الجمهور‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ‏}‏‏:‏ قال الربيع بن أنس‏:‏ هو الماء الذي تحت العرش، الذي ينزل ‏[‏الله‏]‏ منه المطر الذي يحيى به الأجساد في قبورها يوم معادها‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ هو هذا البحر‏.‏ واختلف في معنى قوله‏:‏ ‏{‏المسجور‏}‏، فقال بعضهم‏:‏ المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 6‏]‏ أي‏:‏ أضرمت فتصير نارا تتأجج، محيطة بأهل الموقف‏.‏ رواه سعيد بن المسيب’ عن علي بن أبي طالب، ورُوي عن ابن عباس‏.‏ وبه يقول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الله بن عبيد بن عُمير وغيرهم‏.‏

وقال العلاء بن بدر‏:‏ إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يُشرب منه ماء، ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة‏.‏ كذا رواه عنه ابن أبي حاتم‏.‏

وعن سعيد بن جُبير‏:‏ ‏{‏وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ‏}‏ يعني‏:‏ المرسل‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏‏[‏وَالْبَحْرِ‏]‏ الْمَسْجُورِ‏}‏ المملوء‏.‏ واختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس موقدا اليوم فهو مملوء‏.‏

وقيل‏:‏ المراد به الفارغ، قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، عن ذي الرمة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ‏}‏ قال‏:‏ الفارغ؛ خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت‏:‏ ‏"‏إن الحوض مسجور‏"‏، تعني‏:‏ فارغا‏.‏ رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء‏.‏وقيل‏:‏ المراد بالمسجور‏:‏ الممنوع المكفوف عن الأرض؛ لئلا يغمرها فيغرق أهلها‏.‏ قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد، رحمه الله، في مسنده، فإنه قال‏:‏

حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال‏:‏ لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال‏:‏ حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل‏"‏‏.‏

وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي‏:‏ حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه، عن يزيد- وهو ابن هارون- عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال‏:‏ خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء فصعدت، فجعل يخيل إليَّ أن البحر يشرف يحاذي رءوس الجبال، فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال‏:‏ حدثنا عمر بن الخطاب‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل‏"‏‏.‏ فيه رجل مبهم لم يسم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ‏}‏‏:‏ هذا هو المقسم عليه، أي‏:‏ الواقع بالكافرين، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ‏}‏ أي‏:‏ ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك‏.‏

قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود، عن صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي قال‏:‏ خرج عمر يَعِسّ المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ‏:‏ ‏{‏والطور‏}‏ حتى بلغ ‏{‏إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ‏}‏ قال‏:‏ قسم- ورب الكعبة- حق‏.‏ فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، رضي الله عنه‏.‏

وقال الإمام أبو عبيد في ‏"‏فضائل القرآن‏"‏‏:‏ حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن‏:‏ أن عمر قرأ‏:‏ ‏{‏إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ‏}‏ ، فربا لها ربوة عيد منها عشرين يوما‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا‏}‏‏:‏ قال ابن عباس وقتادة‏:‏ تتحرك تحريكا‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ هو تشققها، وقال مجاهد‏:‏ تدور دورا‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ استدارتها وتحريكها لأمر الله، وموج بعضها في بعض‏.‏ وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة‏.‏ قال‏:‏ وأنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى بيت الأعشى‏:‏

كأن مشْيَتَها من بيتِ جَارتها *** مَورُ السحابة لا رَيْثٌ ولا عجل

‏{‏وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا‏}‏ أي‏:‏ تذهب فتصير هباء منبثا، وتنسف نسفا‏.‏

‏{‏فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏ أي‏:‏ ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم، وعقابه لهم‏.‏

‏{‏الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ‏}‏ أي‏:‏ هم في الدنيا يخوضون في الباطل، ويتخذون دينهم هزوا ولعبا‏.‏

‏{‏يَوْمَ يُدَعُّونَ‏}‏ أي‏:‏ يدفعون ويساقون، ‏{‏إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا‏}‏‏:‏ وقال مجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب، والضحاك، والسدي، والثوري‏:‏ يدفعون فيها دفعا‏.‏

‏{‏هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ‏}‏ أي‏:‏ تقول لهم الزبانية ذلك تقريعا وتوبيخا‏.‏

‏{‏أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا‏}‏ أي‏:‏ ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته ‏{‏فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ سواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها، ‏{‏إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ ولا يظلم الله أحدا، بل يجازي كلا بعمله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 20‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ‏}‏‏.‏

يخبر تعالى عن حال السعداء فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ‏}‏، وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال‏.‏

‏{‏فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يتفكهون بما آتاهم الله من النعيم، من أصناف الملاذ، من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك، ‏{‏وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ‏}‏ أي‏:‏ وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة، التي فيها من السرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 24‏]‏‏.‏ أي هذا بذاك، تفضلا منه وإحسانا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ‏}‏ قال الثوري، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس‏:‏ السرر في الحجال‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو؛ أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه‏"‏‏.‏

وحدثنا أبي، حدثنا هُدْبَة بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال‏:‏ بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة، عنده من أزواجه وخدمه وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك، فيقلن‏:‏ قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا‏.‏

ومعنى ‏{‏مصفوفة‏}‏ أي‏:‏ وجوه بعضهم إلى بعض، كقوله‏:‏ ‏{‏عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 44‏]‏‏.‏ ‏{‏وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ‏}‏ أي‏:‏ وجعلناهم قرينات صالحات، وزوجات حسانا من الحور العين‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏وزوجناهم‏}‏‏:‏ أنكحناهم بحور عين، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 28‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ‏}‏‏.‏

يخبر تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه‏:‏ أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يُلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل، بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ‏}‏‏.‏

قال الثوري، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ‏}‏‏.‏

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري، به‏.‏ وكذا رواه ابن جرير من حديث شعبة عن عمرو بن مُرَّة به ‏.‏ ورواه البزار، عن سهل بن بحر، عن الحسن بن حماد الوراق، عن قيس بن الربيع، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد، عن ابن عباس مرفوعا، فذكره، ثم قال‏:‏ وقد رواهالثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد عن ابن عباس موقوفا‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي، أخبرني محمد بن شعيب أخبرني شيبان، أخبرني ليث، عن حبيب بن أبي ثابت الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله، عز وجل‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏}‏ قال‏:‏ هم ذرية المؤمن، يموتون على الإيمان‏:‏ فإن كانت منازل آبائهم، أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوا شيئا‏.‏

وقال الحافظ الطبراني‏:‏ حدثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتَرِي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غَزْوان، حدثنا شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- أظنه عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏"‏إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال‏:‏ إنهم لم يبلغوا درجتك‏.‏ فيقول‏:‏ يا رب، قد عملت لي ولهم‏.‏ فيؤمر بإلحاقهم به، وقرأ ابن عباس ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ‏}‏ الآية‏.‏

وقال العَوْفي، عن ابن عباس في هذه الآية‏:‏ يقول‏:‏ والذين أدرك ذريتهم الإيمان فعملوا بطاعتي، ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة، وأولادهم الصغار تلحق بهم‏.‏

وهذا راجع إلى التفسير الأول، فإن ذاك مفسر أصرح من هذا‏.‏ وهكذا يقول الشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وأبو صالح، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد‏.‏ وهو اختيار ابن جرير‏.‏ وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد‏:‏

حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا حمد بن فُضَيْل، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي قال‏:‏ سألتْ خديجة النبي صلى الله عليه وسلم، عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏هما في النار‏"‏‏.‏ فلما رأى الكراهة في وجهها قال‏:‏ ‏"‏لو رأيت مكانهما لأبغضتهما‏"‏‏.‏ قالت‏:‏ يا رسول الله، فولدي منك‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏في الجنة‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار‏"‏‏.‏ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏}‏ ‏[‏الآية‏]‏ ‏.‏

هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فقدقال الإمام أحمد‏:‏

حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول‏:‏ يا رب، أنى لي هذه‏؟‏ فيقول‏:‏ باستغفار ولدك لك‏"‏‏.‏

إسناده صحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه، ولكن له شاهد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث‏:‏ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له‏"‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ‏}‏ لما أخبر عن مقام الفضل، وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد، بل ‏{‏كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ‏}‏ أي‏:‏ مرتهن بعمله، لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس، سواء كان أبا أو ابنا، كما قال‏:‏ ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 38- 41‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ‏}‏ أي‏:‏ وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى، مما يستطاب ويشتهى‏.‏

وقوله ‏{‏يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا‏}‏ أي‏:‏ يتعاطون فيها كأسا، أي‏:‏ من الخمر‏.‏ قاله الضحاك‏.‏ ‏{‏لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ لا يتكلمون عنها بكلام لاغ أي‏:‏ هَذَيَان ولا إثم أي‏:‏ فُحْش، كما تتكلم به الشربة من أهل الدنيا‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ اللغو‏:‏ الباطل‏.‏ والتأثيم‏:‏ الكذب‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ لا يستبون ولا يؤثمون‏.‏

وقال قتادة‏:‏ كان ذلك في الدنيا مع الشيطان‏.‏

فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، فنفى عنها- كما تقدم- صداع الرأس، ووجع البطن، وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيئ الفارغ عن الفائدة المتضمن هَذَيَانا وفُحشا، وأخبر بحسن منظرها، وطيب طعمها ومخبرها فقال‏:‏ ‏{‏بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 46، 47‏]‏، وقال ‏{‏لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 19‏]‏، وقال هاهنا‏:‏ ‏{‏يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ‏}‏‏:‏ إخبار عن خَدَمهم وحَشَمهم في الجنة كأنهم اللؤلؤ الرطب، المكنون في حسنهم وبهائهم ونظافتهم وحسن ملابسهم، كما قال ‏{‏يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 17، 18‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحادث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم‏.‏

‏{‏قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ‏}‏ أي‏:‏ قد كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه، ‏{‏فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ‏}‏ أي‏:‏ فتصدق علينا وأجارنا مما نخاف‏.‏

‏{‏إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ‏}‏ أي‏:‏ نتضرع إليه فاستجاب ‏[‏الله‏]‏ لنا وأعطانا سؤلنا، ‏{‏إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ‏}‏‏.‏

وقد ورد في هذا المقام حديث، رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده فقال‏:‏ حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن دينار، حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدثان، فيتكئ هذا ويتكئ هذا، فيتحدثان بما كان في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه‏:‏ يا فلان، تدري أي يوم غفر الله لنا‏؟‏ يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله- عز وجل- فغفر لنا‏"‏‏.‏

ثم قال البزار‏:‏ لا نعرفه يُرْوَى إلا بهذا الإسناد‏.‏

قلت‏:‏ وسعيد بن دينار الدمشقي قال أبو حاتم‏:‏ هو مجهول، وشيخه الربيع بن صبيح قد تكلم فيه غير واحد من جهة حفظه، وهو رجل صالح ثقة في نفسه‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا عمرو بن عبد الله الأوْدِيّ، حدثنا وَكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحَى، عن مسروق، عن عائشة؛ أنها قرأت هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ‏}‏ فقالت‏:‏ اللهم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم، إنك أنت البر الرحيم‏.‏ قيل للأعمش‏:‏ في الصلاة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 34‏]‏

‏{‏فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ‏}‏‏.‏

يقول تعالى آمرا رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، بأن يبلغ رسالته إلى عباده، وأن يذكرهم بما أنزل الله عليه‏.‏ ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان والفجور فقال‏:‏ ‏{‏فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ‏}‏ أي‏:‏ لست بحمد الله بكاهن كما تقوله الجهلة من كفار قريش‏.‏ والكاهن‏:‏ الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء، ‏{‏وَلا مَجْنُونٍ‏}‏‏:‏ وهو الذي يتخبطه الشيطان من المس‏.‏

ثم قال تعالى منكرا عليهم في قولهم في الرسول، صلوات الله وسلامه عليه‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ‏}‏ أي‏:‏ قوارع الدهر‏.‏ والمنون‏:‏ الموت‏:‏ يقولون‏:‏ ننظره ونصبر عليه حتى يأتيه الموت فنستريح منه ومن شأنه، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ‏}‏ أي‏:‏ انتظروا فإني منتظر معكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنّصرة في الدنيا والآخرة‏.‏

قال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس‏:‏ إن قريشا لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم‏:‏ احتبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك، كما هلك من هلك قبله من الشعراء‏:‏ زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم‏.‏ فأنزل الله في ذلك من قولهم‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ‏}‏‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا‏}‏ أي‏:‏ عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقوال الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور‏؟‏ ‏{‏أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ‏}‏ أي‏:‏ ولكن هم قوم ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ما قالوه فيك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ‏}‏ أي‏:‏ اختلقه وافتراه من عند نفسه، يعنون القرآن‏:‏ قال الله‏:‏ ‏{‏بَلْ لا يُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة‏.‏ ‏{‏فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ‏}‏ أي‏:‏ إن كانوا صادقين في قولهم‏:‏ ‏"‏تَقوَّله وافتراه‏"‏ فليأتوا بمثل ما جاء به محمد ‏[‏صلى الله عليه وسلم‏]‏ من هذا القرآن، فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس، ما جاءوا بمثله، ولا بعشر سور ‏[‏من‏]‏ مثله، ولا بسورة من مثله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 43‏]‏

‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏

هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ‏}‏ أي‏:‏ أوجدوا من غير موجد‏؟‏ أم هم أوجدوا أنفسهم‏؟‏ أي‏:‏ لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا‏.‏

قال البخاري‏:‏ حدثنا الحُمَيديّ، حدثنا سفيان قال‏:‏ حدثوني عن الزهري، عن محمد بن جبير ابن مطعم، عن أبيه قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية‏:‏ ‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ‏.‏ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ‏.‏ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ‏}‏ كاد قلبي أن يطير‏.‏

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق، عن الزهري، به‏.‏ وجبير بن مطعم كان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركا، وكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ أهم خلقوا السموات والأرض‏؟‏ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده، لا شريك له‏.‏ ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك، ‏{‏أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن، ‏{‏أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ المحاسبون للخلائق، ليس الأمر كذلك، بل الله، عز وجل، هو المالك المتصرف الفعال لما يريد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ مرقاة إلى الملأ الأعلى، ‏{‏فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة‏.‏

على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال، أي‏:‏ وليس لهم سبيل إلى ذلك، فليسوا على شيء، ولا لهم دليل‏.‏

ثم قال منكرا عليهم فيما نسبوه إليه من البنات، وجعلهم الملائكة إناثا، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، بحيث إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم‏.‏ هذا وقد جعلوا الملائكة بنات الله، وعبدوهم مع الله، فقال‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ‏}‏ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، ‏{‏أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا‏}‏ أي‏:‏ أجرة على إبلاغك إياهم رسالة الله‏؟‏ أي‏:‏ لست تسألهم على ذلك شيئا، ‏{‏فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ فهم من أدنى شيء يتبرمون منه، ويثقلهم ويشق عليهم، ‏{‏أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ أي‏:‏ ليس الأمر كذلك، فإنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله، ‏{‏أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ‏}‏ يقول تعالى‏:‏ أم يريد هؤلاء بقولهم هذا في الرسول وفي الدين غرور الناس وكيد الرسول وأصحابه، فكيدهم إنما يرجع وباله على أنفسهم، فالذين كفروا هم المكيدون، ‏{‏أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏ وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله‏.‏ ثم نزه نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون، فقال‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 49‏]‏

‏{‏وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ‏}‏‏.‏

يقول تعالى مخبرا عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس‏:‏ ‏{‏وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا‏}‏ أي‏:‏ عليهم يعذبون به، لما صدقوا ولما أيقنوا، بل يقولون‏:‏ هذا ‏{‏سَحَابٌ مَرْكُومٌ‏}‏ أي‏:‏ متراكم‏.‏ وهذه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ‏.‏ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 14، 15‏]‏‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فذرهم‏}‏ أي‏:‏ دعهم- يا محمد- ‏{‏حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ‏}‏، وذلك يوم القيامة، ‏{‏يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا‏}‏ أي‏:‏ لا ينفعهم كيدهم ومكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يُجدي عنهم يوم القيامة شيئا، ‏{‏وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ قبل ذلك في الدار الدنيا، كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 21‏]‏، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ نعذبهم في الدنيا، ونبتليهم فيها بالمصائب، لعلهم يرجعون وينيبون ، فلا يفهمون ما يراد بهم، بل إذا جلي عنهم مما كانوا فيه، عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه، كما جاء في بعض الأحاديث‏:‏ ‏"‏إن المنافق إذا مرض وعوفي مثله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أرسلوه‏"‏ ‏.‏ وفي الأثر الإلهي‏:‏ كم أعصيك ولا تعاقبني‏؟‏ قال الله‏:‏ يا عبدي، كم أعافيك وأنت لا تدري‏؟‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏}‏ أي‏:‏ اصبر على أذاهم ولا تبالهم، فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من الناس‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ‏}‏ قال الضحاك‏:‏ أي إلى الصلاة‏:‏ سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك‏.‏

وقد روي مثله عن الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهما‏.‏

وروى مسلم في صحيحه، عن عمر أنه كان يقول هذا في ابتداء الصلاة ‏.‏ ورواه أحمد وأهل السنن، عن أبي سعيد وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك‏.‏

وقال أبو الجوزاء‏:‏ ‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ‏}‏ أي‏:‏ من نومك من فراشك‏.‏ واختاره ابن جرير‏:‏ ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد‏:‏

حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني عُمَير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثنا عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من تعار من الليل فقال‏:‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير‏.‏ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال‏:‏ رب اغفر لي- أو قال‏:‏ ثم دعا- استجيب له، فإن عزم فتوضأ، ثم صلى تقبلت صلاته‏"‏‏.‏

وأخرجه البخاري في صحيحه، وأهل السنن، من حديث الوليد بن مسلم، به‏.‏

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد‏:‏ ‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ‏}‏ قال‏:‏ من كل مجلس‏.‏

وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص‏:‏ ‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ‏}‏ قال‏:‏ إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال‏:‏ سبحانك اللهم وبحمدك‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا محمد ابن شعيب، أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء بن أبي رباح؛ أنه حدثه عن قول الله‏:‏ ‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ‏}‏ يقول‏:‏ حين تقوم من كل مجلس، إن كنت أحسنت ازددت خيرا، وإن كان غير ذلك كان هذا كفارة له‏.‏

وقد قال عبد الرزاق في جامعه‏:‏ أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجَزَرِي، عن أبي عثمان الفقير؛ أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه أن يقول‏:‏ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك‏.‏ قال معمر‏:‏ وسمعت غيره يقول‏:‏ هذا القول كفارة المجالس‏.‏

وهذا مرسل، وقد وردت أحاديث مسندة من طرق- يقوي بعضها بعضا- بذلك، فمن ذلك حديث ابن جُرَيْج، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه‏:‏ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك‏"‏‏.‏

رواه الترمذي- وهذا لفظه- والنسائي في اليوم والليلة، من حديث ابن جريج‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏.‏ وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال‏:‏ إسناد على شرط مسلم، إلا أن البخاري علله‏.‏

قلت‏:‏ علله الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو حاتم، وأبو زُرَعة، والدارقطني، وغيرهم‏.‏ ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جُرَيْج‏.‏ على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ورواه أبو داود- واللفظ له- والنسائي، والحاكم في المستدرك، من طريق الحجاج بن دينار، عن هاشم عن أبي العالية، عن أبي بَرْزَة الأسلمي قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس‏:‏ ‏"‏سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك‏"‏‏.‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله، إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏"‏كفارة لما يكون في المجلس‏"‏‏.‏

وقد روي مرسلا عن أبي العالية، والله أعلم‏.‏ وهكذا رواه النسائي والحاكم، من حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن رافع بن خَدِيج، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء وروي مرسلا أيضا، والله أعلم‏.‏ وكذا رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو؛ أنه قال‏:‏ ‏"‏كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات، إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر، إلا ختم له بهن كما يختم بالخاتم على الصحيفة‏:‏ سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك‏"‏ وأخرجه الحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة، وصححه، ومن رواية جُبَير بن مطعم ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقد أفردت لذلك جزءا على حدة بذكر طرقه وألفاظه وعلله، وما يتعلق به، ولله الحمد والمنة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ‏}‏ أي‏:‏ اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل، كما قال‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 79‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِدْبَارَ النُّجُومِ‏}‏ قد تقدم في حديث ابن عباس أنهما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم، أي‏:‏ عند جنوحها للغيبوبة‏.‏ وقد روى ‏[‏في حديث‏]‏ ابن سيلان، عن أبي هريرة مرفوعا‏:‏ ‏"‏لا تَدَعُوهما، وإن طردتكم الخيل‏"‏‏.‏ يعني‏:‏ ركعتي الفجر رواه أبو داود‏.‏ ومن هذا الحديث حكي عن بعض أصحاب الإمام أحمد القول بوجوبهما، وهو ضعيف لحديث‏:‏ ‏"‏خمس صلوات في اليوم والليلة‏"‏‏.‏ قال‏:‏ هل علي غيرها ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا إلا أن تطوع‏"‏ وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت‏:‏ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر وفي لفظ لمسلم‏:‏ ‏"‏ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها‏"‏

آخر تفسير سورة الطور ‏[‏والله أعلم‏]‏

تفسير سورة النجم

وهي مكية‏.‏

قال البخاري‏:‏ حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال‏:‏ أولُ سورة أنزلت فيها سَجْدة‏:‏ ‏{‏والنَّجم‏}‏، قال‏:‏ فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه، إلا رجلا رأيته أخذ كفًّا من تُرَاب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتِل كافرًا، وهو أمية بن خَلَف‏.‏

وقد رواه البخاري أيضا في مواضع، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، من طرق، عن أبي إسحاق، به‏.‏ وقوله في الممتنع‏:‏ إنه أمية بن خلف في هذه الرواية مشكل، فإنه قد جاء من غير هذه الطريق أنه عتبة بن ربيعة‏.‏